محمد بن جرير الطبري

256

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

أتت على الوادي سعت - وما تريد السعي - كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد السعي ، فنظرت اى الجبال أدنى إلى الأرض ، فصعدت المروة ، فتسمعت : هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا ؟ فسمعت صوتا ، فقالت كالإنسان الذي يكذب سمعه : صه ! حتى استيقنت ، فقالت : قد أسمعتني صوتك فأغثني ، فقد هلكت وهلك من معي ، فجاء الملك بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم ، فضرب بقدمه ففارت عينا ، فعجلت الانسانه تفرغ في شنتها ، [ فقال رسول الله ص : رحم الله أم إسماعيل ، لولا انها عجلت لكانت زمزم عينا معينا ] . وقال لها الملك : لا تخافي الظما على أهل هذا البلد ، فإنها عين يشرب ضيفان الله منها ، وقال : ان أبا هذا الغلام سيجيء فيبنيان لله بيتا هذا موضعه . قال : ومرت رفقه من جرهم تريد الشام ، فرأوا الطير على الجبل ، فقالوا : ان هذا الطير لعائف على ماء ، فهل علمتم بهذا الوادي من ماء ؟ فقالوا : لا ، فأشرفوا فإذا هم بالانسانه ، فأتوها فطلبوا إليها ان ينزلوا معها ، فأذنت لهم ، قال : واتى عليها ما يأتي على هؤلاء الناس من الموت ، فماتت وتزوج إسماعيل امراه منهم ، فجاء إبراهيم فسال عن منزل إسماعيل حتى دل عليه فلم يجده ، ووجد امراه له فظه غليظه ، فقال لها : إذا جاء زوجك فقولي له : جاء هاهنا شيخ من صفته كذا وكذا ، وانه يقول لك : انى لا ارضى لك عتبة بابك فحولها ، وانطلق فلما جاء إسماعيل أخبرته فقال : ذلك أبى ، وأنت عتبة بابى فطلقها ، وتزوج امراه أخرى منهم ، وجاء إبراهيم حتى